عبد العزيز عتيق

165

علم البديع

منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها في صفة الذم . كقول النابغة الذبياني السابق : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب « 1 » فالنابغة هنا نفى أولا عن ممدوحيه صفة العيب ثم عاد فأثبت لهم بالاستثناء عيبا هو أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب ، وهذه ليست في الواقع صفة ذم وإنما هي صفة مدح أثبتها الشاعر لممدوحيه وأكدها بما يشبه الذم . وتأكيد المدح في هذا الضرب من وجهين : أحدهما أن التأكيد فيه هو من جهة أنه كدعوى الشيء ببيّنة وبرهان ، كأنه استدل على أنه لا عيب فيهم بأن ثبوت عيب لهم معلق بكون فلول السيف عيبا وهو محال . والوجه الثاني أن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال ، بمعنى أن المستثنى يكون داخلا في المستثنى منه وفردا من أفراده ، وعلى هذا فإذا قيل : « ولا عيب فيهم غير . . . » فإن السامع يتوهم بمجرد التلفظ بأداة الاستثناء « غير » أو نحوها وقبل النطق بما بعدها أن ما يأتي بعدها وهو المستثنى لا بدّ أن يكون صفة ذم ، فإذا ولى أداة الاستثناء صفة مدح تبدد توهم السامع بهذه المفاجأة التي لم يكن يتوقعها . لقد توهم أن الذي سيلي أداة الاستثناء لا بدّ أن يكون صفة ذم فإذا به يفاجأ بأنها صفة مدح . ومن هنا يجيء التوكيد لما فيه من المدح على المدح ، ومن الإشعار بأن المتكلم لم يجد صفة ذم يستثنيها فاضطر إلى استثناء صفة مدح وتحويل الاستثناء من متصل إلى منقطع . * * *

--> ( 1 ) الفلول : جمع فل ، وهو الثلم يصيب السيف في حده ، وقراع الكتائب : مضاربة الجيوش ومقاتلتها عند اللقاء .